ليلة ما قبل الهروب و ساعة الرحيل
عزيزتي نيل! وجهك شاحبٌ وعيناكِ مرهقتان من السهد والبكاء لأجلي وأنا أدرك ذلك. لكنك ستتحسنين وتسعدين وقت رحيلنا. غدًا صباحًا يا حبيبتي سنخلع أقنعة الحزن من على وجوهنا ونرتدي أقنعة البهجة ونصبحُ أحرارًا وننعم بالأفراح كالطيور. ثم وضع الرجل العجوز يديه على رأسها وقال بكلمات قليلة متقطعة أنهما سيسافران معًا ولن يفترقا حتى يلفظ أحدهما آخر أنفاسه. خفق قلب الطفلة بشدة والأمل والثقة يملآنه. لم تفكر بالجوع أو البرد أو العطش أو المعاناة. لكنها رأت في هذا الرحيل فرصة للعودة إلى أيام المسرات البسيطة التي عاشوها، وتخفيفًا من وطأة الوحدة المريرة التي مرت بها، وهروبًا من القلوب القاسية التي أحاطتها في محنتها الأخيرة، واستعادة صحة وراحة الرجل العجوز، وحياة مليئة بالهدوء والبهجة. الشمس والجدول والمروج وأيام الصيف البراقة أشرقت في مخيلتها ولم يبقَ أي ظلام دامس في وجه هذا النور.
نام العجوز نومًا عميقًا لبضع ساعات في فراشه، في حين انشغلت هي بالاستعداد لرحلتهما. كان أمامها بضع ملابس مهيأة للارتداء، بالية مثل حالهما البائس، لتحزمها لنفسها وله. وعكاز مهيأ للعجوز، ليسند عليه خطواته الواهنة. لم يقتصر واجبها على ذلك فحسب، بل كان عليها أن تُلقي نظرة أخيرة على الغرف القديمة. كم كان فراقهم مختلفًا عما رسمته في مخيلتها. كيف لها أن تفكر في وداعهم بانتصار، بعد أن فاض قلبها المتألم لوعةً لاستحضارها ذكرى الساعات الكثيرة التي قضتها بينهم؟ حينها أدركت مدى قسوة تمنيها الرحيل، رغم وحدة وحزن غالبية تلك الساعات! اتخذتْ مقعدها على حافة النافذة التي كانت شاهدة على أمسيات أشدّ ظلمةً بكثير من هذه الليلة. فاستحضر ذهنها كل فكرة أمل أو سرور راودتها في هذا المكان، حتى طغت على كلّ مشاعر الهم والحزن التي تملّكتها في لحظة.
غرفة نومها الصغيرة أيضًا، كم كانت تتضرع فيها كل ليلة. وتدعو أن يحلّ الوقت الذي كانت تأمل بزوغه الآن. الغرفةُ الصغيرةُ التي نامت فيها بسلامٍ وحلمت بأحلام سعيدة. كان من الصعب عليها ألا تلقي نظرة أخيرة عليها وأن تجبر على الرحيل دون نظرة عطف أو دمعة امتنان نحوها. كانت هناك بعضُ الترهاتِ —أشياءَ تافهةً لا نفعَ فيها— ممّا هَوَتْ نفسُها على حملها معها، لكنّ الأمر استحال عليها. فذكّرها ذلك بطائرِها، طائرِها المسكين المُعلَّقِ هناك. أجهشت دموعها حزنًا لفقدان طائرها الصغير إلى أن خطرت على بالها فكرة —لم تعلم كيف ولما طرأت عليها— مفادها أن طائرها الصغير قد يقع بمحض الصدفة بين يدي (كيت)، فيتولى رعايته لأجلها، ويظن أنها قد تركته خلفها على أمل أن يصبح في حوزته، كرمز على امتنانها له. فلما هدأ بالها وارتاحت بالفكرة ذهبت إلى الفراش بقلب مطمئن.
بعد أن راودتها أحلام متواصلة جابت فيها بين الضياء وأماكن مشمسة، تسلل من بينها شيء خفي غير محدد. فاستيقظت لتجد أنّ الليل لا يزال مُخيماً، وأنّ النجوم تتلألأ في السماءٍ. مع طلوع الفجر بدأت النجوم تشحب وتنطفئ. وبمجردِ أن تبين لها خيط الفجر، سارعتْ بارتداء ملابس السفر استعدادًا للانطلاق في رحلتهما.
(وقت الهروب)


