سيلفيا بلاث —الناقوس الزجاجي



 في الذكرى الواحدة والستون من وفاتها، تطلُ علينا سيلفيا بلاث، بحُلةٍ سوداء تنسج بأعمالها الأدبية خيوطًا سوداء تُعَتِم طُرق حياتنا

في روايتها الوحيدة "الناقوس الزجاجي"، حاكت لنا بلاث من تجاربها الشخصية، شخصية تُحاكي معاناتها والتي جسدتها في شخصية إستر التي تشبهها في تفاصيل كثيرة: نشأت كل من إستر وبلاث مع أم أرملة في ماساتشوستس. برزت كل منهما ككاتبة متميزة في كلية للنساء. عاشت كل منهما تجربة عاطفية مع طالب طب متغطرس. واجهت كل منهما انهيارًا عصبيًا وحاولت الانتحار. تعافت كل منهما في مستشفى للأمراض العقلية خارج بوسطن.

تُجيدُ سيلفيا بلاث نسجَ سحر الكلمات بدقة مذهلة،
ففي روايتها "الناقوس الزجاجي" تتضح عبقرية اختيار المصطلحات والرموز. عنوانُ الرواية وحدهُ يُعبّرُ عن عمق المعاناة التي تُعانيها "إستر"، فـ "الناقوس الزجاجي" هو مكانٌ معزولٌ عن العالم، يحاصرُ فيه الهواءُ، ولا صوتَ يُسمعُ فيه،
وكأنّه قبرٌ يحبس فيه الصراخ. من خلال شخصية "إستر" تُعبّرُ سيلفيا عن شعورها بالعزلة والاكتئاب، وكأنّها محبوسة داخل زجاجة لا تُسمعُ صرخاتها.

توضح رحلة "إستر" في رواية "الناقوس الزجاجي" صراعَها مع الإكتئاب وضبابية أفكارها. تقرّر "إستر" الهرب من واقعها المُؤلم بالسفر إلى نيويورك للعمل في مجلة أزياء، وتضعُ خططًا للمستقبل، مُنتظرةً منحةً دراسيةً لدراسة اللغة الإنجليزية. لكنّ سلسلةً من الأحداث المُؤلمة تُغيّرُ مجرى حياتها، وتقلبها رأسًا على عقب. تُصبحُ "إستر" غريبةً عن نفسها، لا تعرفُ من هي، تنظر لنفسها في المرآة وتتساءلُ إن كانت تلك الصورةُ المُعكوسةُ عليها لامرأة أم لرجل.

لا تقتصر قدرة بلاث على أسلوبها الأدبي العميق، بل تمتد لتشمل قدرتها الفريدة على حياكة البيئة والظروف في روايتها "الناقوس الزجاجي"، نأخذ بعين الإعتبار ظروف المرضى العقليين والنساء في حقبة الخمسينات. صورت بلاث العالم المظلم الذي عاش فيه المرضى النفسيون في الخمسينات. حيث كانت العلاجات تقتصر على أساليب بدائية ووحشية مثل الصدمات الكهربائية. جعلت من إستر رمزًا لهذه المعاناة من خلال تجربتها المريرة مع العلاج بالصدمات الكهربائية، تلك التقنية المؤلمة التي لا إنسانية فيها. وأيضًا صورت بلاث واقع المرأة في الخمسينات، حيث تُقيّدها معايير مجتمعية صارمة تُفرض عليها البقاء عذراء حتى الزواج بينما تُمنح للرجال حرية جنسية مطلقة. كما يتوقع من النساء الالتزام بأدوار تقليدية محددة كربة منزل وزوجة وأم، مما يُجبرهن على التخلي عن طموحاتهن المهنية وتطلعاتهن الشخصية.

ومن خلال تشبيه بلاث لنفسها بشجرة التين، نلاحظ كيف يضطر النساء أحيانًا للتخلي عن أحلامهن وطموحاتهن الشخصية من أجل بناء المجتمع:
"رأيت حياتي تتشكل أمامي مثل أغصان شجرة التين عند طرف كل فرع ثمرة تلوح لي بمستقبل باهر. إحدى حبات التين تمثل زوجا وبيتا سعيدا وعائلة، وحبة أخرى كانت تمثل شاعرة شهيرة والثالثة بروفيسورة لامعة، وأخرى تشير إلى رحالة عابرة للقارات، وبطلة أولمبياد، والكثير الكثير مما لم أستطع عده حتى وجدت نفسي في النهاية أتضور جوعًا لأنني لم أستطع اختيار الحبة التي أريدها، كنت أرغب بهن جميعًا، واختيار واحدة فقط يعني خسارة الأخريات؛ ثم بدأت الثمرات بالذبول والتساقط واحدة تلو الأخرى على أقدامي".

في النهاية، "الناقوس الزجاجي" هي ليست مجرد رواية، هي كلمات وسطور وحوارات نقلت لنا الواقع القاتم المسوّد الذي عاشته الكاتبة الراحلة سيلفيا بلاث. لم تستطع بلاث إنقاذ نفسها من حافة الانتحار، لكنها كانت سببًا في جعلنا نفهم العالم الأسود الذي يحيط المرضى النفسيين.

المشاركات الشائعة