التعاقب
رأيتُ الليلَ يطرُقُ بابَ السماء، ويشقُ طريقَهُ من الأفقِ زحفًا على أربع. وبعد لحظاتٍ، غطت سدولُهُ السوداءُ الأرجاءَ، ودخلَ متلصصًا بدجاهُ بيتًا يبحثُ فيهِ عن صدرِ فتاةٍ ليتمددَ عليه. حيث نطَقَتِ الجدرانُ بالمآسي وشهِدَتْ أكوابُ القهوةِ المكدَسَّةِ مرارةَ الانتظار. ونسجَتِ الأوراقُ المتناثرةُ في كل مكانِ قصصًا عن الضياع. ليلةٌ لم يسكُنْ فيها جفنٌ. والليلُ لا يزالُ يتمطَّى ويدثرُ نفسَهُ بغيومٍ كثيفة. وبعد لحظةٍ، تثاءَبَ فسقطَتْ قطراتُ المطرِ من مقلتَيِّ الفتاة، سالت باندفاعٍ كالسيلِ المنهمِرِ من على وجنتَيها حتى بللت الوسادة. شعرت وكأنها تختزنُ الآهاتِ والأوجاع، وبداخلِها صرخةٌ كصرخةِ مونكِ الفجائية. ماذا لو أطلقتها في هذه الليلةِ التراجيدية؟ وأرهفت جذوعُ الأشجارِ السمعَ لها وتمايلتْ أغصانُها من الفزع؟ أو سارت في الفضاءِ وبعثرت النجومَ المتلألئةَ؟ هل كانَ هذا سيجدي؟ أم سيستيقظُ النائمون ويقولون أنها مخلوقةٌ كارثيةٌ، مفسدةٌ تبتلعُ الطبيعةَ بالظلامِ الذي يسكُنُها. ظلامٌ لا يشعرُ بهِ أحدٌ سوى من ابتلعَهُ الحوت وتاهَ في أعماقِ عتمتهِ. وسطَ أميالٍ وأميالٍ من هذا الظلامِ، تمتمَ الليلُ بكلماتِ الوداعِ وزحفَ نحو الأفقِ من جديد. ذابَ القمرُ وطلعَ الفجرُ، نفثتِ الرياحُ فزحزحتِ الغيومُ، تموجَ ضوءُ الشمسِ وتسللَ عبرَ نافذةِ الربيعِ، طوقَ دفئًا عانَقَ حمامةً ربتَ على ظهرِ فتاةٍ مستلقيةٍ على سريرِ الأحلامِ.

