عشر اقتباسات منتقاة من رواية "زوربا اليوناني"




—١—

إن متعي هنا عظيمة، لأنها بسيطة جدا وتنبع من العناصر الأبدية: الجوّ النقي الشمس، البحر ورغيف الحنطة في المساء يجلس أمامي سندباد بحري فائق للعادة على الطريقة التركية ويتحدّث، وحين يتحدّث يكبر العالم. وأحيانًا، حين لا تكفي الكلمات، يقفز ويرقص. وحين لا يكفي الرقص يضع سنتوره على ركبتيه ويعزف يعزف أحيانًا لحنًا وحشيًّا فتشعر بأنك تختنق لأنك تدرك على الفور المنطقة. أن حياتك بلا لون بائسة وغير جديرة بالإنسان. وأحيانا يعزف لحناكئيبا فتشعر أن حياتك تعبر وتنساب كالرمل من بين أصابعك، وأن الخلاص مجرد وهم.

—٢—

كيف تتحوّل روح الإنسان حسب المناخ، والصمت والعزلة، أو الرفقة التي يعيش بينها! فلا يبدو لي البشر حين أنظر إليهم من موقعي المنعزل كالنمل، بل على العكس، يبدون مثل وحوش كاسرة مثل ديناصورات، وزواحف مجنحة، تعيش في جو مشبع بحمض الكربونيك وخضرة كثيفة متآكلة تشكل منها الخلق. غابة لا تفهم، غابة عبثية.

—٣—

نحن ديدان صغيرة، يا زوربا ديدان صغيرة جدا على ورقة صغيرة في شجرة ضخمة. هذه الورقة الصغيرة هي الأرض. الأوراق الأخرى هي النجوم التي تراها تتحرّك في الليل. نشق طريقنا على هذه الورقة الصغيرة ونفحصها بلهفة وحرص نشمّها؛ تفوح منها رائحة طيبة أو كريهة. نتذوقها فنجدها قابلة للأكل . ندوسها فتئن وتصيح ككائن حي. يصل بعض الرجال - الأكثر جرأة إلى حافة الورقة. ومن هناك نطل، ونحدّق في العماء. نرتجف. ونخمّن أية هاوية مرعبة تكمن تحتنا. وفي المسافة نستطيع أن نسمع حفيف الأوراق الأخرى في شجرتنا الهائلة، نشعر بالنسغ يصعد من الجذور إلى ورقتنا فتنتفخ قلوبنا. مُطلّين هكذا على الهاوية نبدأ بالارتعاد بكل أجسادنا ... وبكل أرواحنا. ومن صميم تلك اللحظة يبدأ..


—٤—

لم أقدر على النوم طوال الليل. بلبل ما سمعناه للمرة الأولى في تلك الليلة ملأ عزلتنا بحزن لا يُحتمل وفجأة شعرت بالدموع على خدّي. كنتُ أختنق. نهضتُ فجرا وحدقتُ في الأرض والبحر من باب كوخي. بدا لي أن العالم قد تحوّل بين ليلة وضحاها. فقبالتي على الرمال، كتلة صغيرة من الأدغال الشائكة، كان لونها بليدا بائسا في اليوم السابق وهاهي الآن مغطاة بأزهار صغيرة بيضاء. انتشر في الجو عطر أشجار الليمون والبرتقال المزهرة عذبا عبقا. مشيت عدة خطوات. لم أستطع أن أرتوي كفاية من هذه المعجزة التي تحدث أمامي في تجدد أبدي. فجأة سمعت صرخة سعيدة خلفي. كان زوربا قد نهض واندفع إلى الباب نصف عار. أثاره هو أيضًا منظر الربيع هذا. سأل محذرًا: «ما هذا؟ تلك المعجزة هناك، أيها الرئيس، ذلك الأزرق المتحرك، ما الذي يدعونه ؟ بحر ؟ بحر؟ وما ذاك الذي يرتدي مئزرا أخضَرَ مزهرا؟ الأرض؟ أي فنّان رسمهُما ؟ إنها المرة الأولى التي أرى فيها هذا أيها الرئيس، أقسم لك!» فجأة سمعت . كانت عيناه تدمعان.
صحت: «زوربا هل جننت؟ ما الذي يضحكك ؟ ألا ترى؟ ثمتَ سحر وراء هذا كله، يا رئيس». اندفع إلى الخارج، بدأ يرقص ويتدحرج على العشب كمهر في الربيع. ظهرت الشمس، مددت راحتي ملتمسا الدفء. النسخ الصاعد... الصدر المنتفخ ... والروح المزهرة بدورها كشجرة تستطيع أن تشعر أن الجسد والروح معجونان من المادة نفسها.

—٥—

عبر السماء شهاب ضخم. اهتز زوربا وثبت عينيه في الفضاء كما لو أنه يرى نجما يحترق للمرة الأولى في حياته. سألني: «هل رأيت ذلك الشهاب؟»
«نعم». قلت له
وصمتنا.
فجأة مد زوربا عنقه المهزول، ملأ صدره وأطلق صرخة وحشية يائسة. وفي الحال تحوّلت الصرخة إلى كلام بشري، ومن أعماق وجود زوربا صعد لحن قديم ورتيب، مليء بالحزن والعزلة. انشطر قلب الأرض وعم الفضاء سم شرقي مغو بعذوبته. شعرت داخلي أن الأنسجة التي ما نزال تشدني إلى الطيبة والأمل تتأكل حتى انقطعت: أمان... أمان...!
صحراء ورمال رائعة على مدى البصر. يرتجف الهواء، ورديا، أزرق أصفر؛ ينفجر صدغاك. تطلق الروح صرختها الوحشية وتبتهج إذ لا تجيبها صرخة اغرورقت عيناي بالدموع. وطائرا حجل بسيقان حمراء ينشدان على الهضبة يا طائري الحجل رجاء توقفا عن الغناء يكفيني ما بي من وجع. أمان أمانٌ
وصمت زوربا . مسح عرق جبينه بحركات حادة من أصابعه، ثم مال إلى الأمام وحدق في الأرض.

—٦—

أي متعة تلك التي يعيشها الإنسان حين تعاكسه الظروف ويجد نفسه في اختبار حقيقي لمدى قدرته على الصبر والشجاعة عدوّ لامرئي مطلق القوة يدعوه بعضُهم الله وبعضُهم الآخر الشيطان، يبدو وكأنه يندفع إلينا كي يدمرنا؛ ولكننا لا ندمر. وفي كل مرة ينتصر داخلنا الإنسان الحقيقي، على الرغم من أننا مهزومون بشكل كامل في الخارج، نشعر نحن بني البشر بكبرياء ومتعة غير قابلتين للوصف، تحوّلان الكارثة الخارجية إلى سعادة مطلقة لا تهتز في الأعماق.

—٧—

إن العالم أوسع مما تظنّ نسافر، عابرين البلدان والبحار كلّها ومع ذلك فإننا لم ندفع أنوفنا خارج عتبة منزلنا. زم زور با شفتيه وظل صامتًا. نخر فقط ككلب مطيع حين يُضرب. قلت: «هناك جبال في العالم ضخمة وكبيرة ومنقطة بالمعابد. وفي هذه المعابد يعيش رهبان في أردية صفراء برتقالية. يبقون جالسين، بأرجل متصالبة، لشهر أو شهرين أو ستة أشهر في المرة الواحدة مفكرين في شيء واحد فحسب شيء واحد، أتسمعني؟ ليس اثنين بل واحد! لا يفكرون في النساء أو الفحم أو الكتب، كما نفعل؛ يركزون أذهانهم على شيء واحد ويجترحون معجزات ألم تر ما يحدث حين تضع زجاجة مكبرة تحت الشمس وتركز الأشعة كلها على نقطة واحدة يا زوربا؟ فسرعان ما تشتعل هذه النقطة، أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن قوة الشمس لم تتوزّع بل تركزت على تلك النقطة فقط. يحدث الأمر نفسه مع عقول البشر. تجترح المعجزات إذا ركّزت ذهنك على شيء واحد، واحد فقط. أتفهمني، يا زوربا؟»

—٨—

تأخرت في العودة. كان زوربا قد أشعل النار في الموقد وشرع في الطبخ. وما إن رفع عينيه كي يحييني حتى عرف على الفور أين كنت قطب جبينه وبعد أيام عديدة من الصمت فتح قفل قلبه في ذلك المساء وتحدّث. كل مرة أعاني أيها الرئيس»، قال وكأنه يريد تبرير ما فعله. «مع كل حزن جديد ينشطر قلبي قطعتين، لكنّه من فرط ما أثخن بالجراح والندوب سابقا، بات قادرا على إعادة إلصاق نفسه ثانية في لمح البصر فيتماسك سريعا ولا يُرى الجرح. أنا مغطى بالجراح المندملة أيها الرئيس، لذلك باستطاعتي الوقوف طويلا». قلتُ بنبرة أفلتت من حلقي بوحشية: «لقد نسيت المسكينة بوبولينا بسرعة يا زوربا».

امتعض زوربا ورفع صوته صائحا: طريق جديد، وخطط جديدة! لقد توقفت عن التفكير طوال الوقت في ما حدث البارحة. وعزفت عن سؤال نفسي ما الذي سيحدث غدا. ‎‫ولا أبه إلا بما يحدث اليوم، وفي هذه اللحظة‬‎.

—٩—

‎‫هبت ريح جنوبية قوية قادمة من إفريقيا. ريح من تلك التي تجعل كل‬‎ ‎‫شيء ينمو وينتفخ الخضار والفاكهة والصدور الكريتية. شعرت بها على‬‎ ‎‫جبيني وشفتي وعنقي؛ وكان عقلي يطقطق وهو ينتفخ مثل ثمرة.‬‎ ‎‫لم أستطع النوم ولم أرغب في ذلك حتّى. لم أفكر في أي شيء فقط‬‎ ‎‫شعرت بشيء ما، ينضج داخلي في هذا الليل الدافئ. عشت بوضوح‬‎ ‎‫تجربة أكثر إدهاشا: رأيتُ نفسي أتغيّر . شيء ما... شيء من ذاك الذي‬‎ ‎‫لا يحدث عادة إلا في أعماق أحشائنا الأكثر غموضا، كان هذه المرّة‬‎
‎يحصل في العراء، جليّا أمام عيني. وأنا جالس على الشاطئ، أراقب‬‎ ‎‫حدوث هذه المعجزة.‬‎ ‎‫استنزفت النجوم وراق أديم السماء ، وإزاء هذه الخلفية من النّور‬‎ ‎‫تجلت الجبال والأشجار والنوارس كما لو أنّ ريشة ماهرة رسمتها ببراعة.‬‎ ‎‫كان النهار يتألق.‬‎

—١٠—

مثل حبة قمح، ستسقط أنت يا قلبي على هذه الأرض وتموت. ولم الهلع أيها القلب؟ أنّى لك أن تغذي البشر الذين يموتون من الجوع إن لم تمت لتستحيل سنبلة؟


ترجمة: أسامة إسبر

المشاركات الشائعة